جاري تحميل ... صقر الفوايد والشرايد

إعلان الرئيسية

إعلان في أعلي التدوينة

مقال بعنوان: وقفات مع تفسير القرطبي في قصة نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام: الوقفة الثانية...بقلم أبي عبدالله فهمي البوري


وقفات مع تفسير القرطبي

في قصة نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام


قال تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (42) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)}ص(41-44)
الوقفة الثانية:
قوله أيوب: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ أَيُّوبَ كَانَ رُومِيًّا, وقيل أنه من بن إسرائيل  مِنَ الْبَثَنِيَّةِ: بفتح أوله وثانيه، وبالنون ثم الياء مثقّلة، وهى بالشام معروفة، من كور دمشق. والبثنة الأرض السهلة، وبذاك سمّيت المرأة بثينه, وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيّ.
اصطفاه الله بالنبوة، وآتاه جملة عظيمة من الثروة في أنواع الأموال والأولاد. وكان شاكرا لأنعم الله، مواسيا لعباد الله، برا رحيما. ومع ذلك تقلب به الحال ليعلم ابن آدم أن دوام الحال من المحال, قال تعالى: { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}آل عمران(140), ومعنى " نداولها بين الناس" من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر. والدولة الكرة، قال الشاعر:
فيوم لنا ويوم علينا ... ويوم نساء ويوم نسر
وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض، كما قال: { وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا }آل عمران: (167- 166)
والعاقل من ينظر إلى أن الله هو المالك، وإلى أنه الحكيم في التدبير، والعالم بالمصالح، وإلى أنه يريد اختبارك، ليبلو أسرارك، وإلى أنه يريد أن يرى تضرعك، وإلى أنه يريد أن يأجرك بصبرك ... إلى غير ذلك، وإلى أنه يبتليك بالتأخير، لتحارب وسوسة إبليس، وكل واحدة من هذه الأشياء تقوي الظن في فضله، وتوجب الشكر له، إذ أهلك بالبلاء للالتفات إلى سؤاله، وفقر المضطر إلى اللجإ إليه غنًى كله.
وكان قد حصل عند أيوب عليه الصلاة والسلام نوعان من المكروه: الغم الشديد بسبب زوال الخيرات, وحصول المكروهات، من فقد الاولاد والأموال والعافية, والألم الشديد في الجسم, مما يجده من اشتداد المرض واحتداده عليه, حتى صار يضرب به المثل في ذلك, كما قال القائل:
أصيبَ ببلوى الجسم أيوبُ فاغتدى ... به تُضرب الأمثال إذ يذكر الصبــــــــــرُ
فلما انتهت بلواه من بعد جسمــــــــــــــه ... إلى القلب نادى معلنا مسني الضــر
وكل بلائي عند قلبــــــــــــــــــــــــــي ولم أبُحْ ... بشكوى الذي ألقى ولم يظهر السرُّ
ولكون الأنبياء أعرف الخلق بالله, وأيوب عليه الصلاة والسلام منهم فكان حال العارف منهم حين يعرض عليه الأذى، فأنه يعرض بنظره عن السبب، ولا يرى سوى الذي أجراه، فهو في أطيب عيش معه: إن سكت، تفكر في إقامة حقه، وإن نطق، تكلم بما يرضيه، لا يسكن قلبه إلى زوجة ولا إلى ولد، ولا يتشبث بذيل محبة أحدٍ؛ وإنما يعاشر الخلق ببدنه، وروحه عند مالك روحه. فهذا الذي لا هَمَّ عليه في الدنيا، ولا غم عنده وقت الرحيل عنها، ولا وحشة له في القبر، ولا خوف عليه يوم المحشر.
ولذا تجد كثيرا ممن عثرت في هذا الباب قدمه, لضيق بصره عن معرفة ربه, فلا يزال يضج من البلاء, ويستوحش من فقد ما اقتنى, لأنه لا يعرف الحكمة, ويستأنس بجنسه, وتعظم عليه مفارقته, لأنه لا معرفة بينه وبين ربه، ويخاف من الرحيل؛ لأنه لا زاد له، ولا معرفة بالطريق.
ولقد لقيت بعض عوام الناس ممن كان له في باب المعرفة نصيب و{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}المائدة:(54) يقول: اصبح عندي سواء فقد المحبوب ووجوده, قال الشاعر:
اذا صح منك الود فالكل هين***وكل الذي فوق التراب تراب
فإذا تقرر ذلك عندك, علمت أن رأس أمر الصبر, معرفة الله وتوحيده, وتحقيق الرضا بالذل له مع المحبة, فحينها يطيب المقام مع الأذى, ويتحول في حق صاحبه حلوى, فإن كانت ضراء صبر وإن كانت سراء شكر, فكل ما تراه العين تلقاه بالرضاء
وعين الرضا عن كل عيب كليلة****ولكن عين السخط تبدي المساويا
فإذا ما انهال عليك البلاء من مرض, كما هو حاصل في هذه الأيام, فصبرت عليه ورضيت به, فهنا يتبين أثر الإيمان, فما صعد يوسف عليه الصلاة السلام، ولا سعد إلا بمقام  الصبر عن الشهوة, وأيوب بمقام الصبر على البلوى, فتحولت تلك الآلام إلى إنعام " وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" في الدنيا والدين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مدونة صقر الفوايد والشرايد. هى مدونة عربية يمنية مهتمة بمجال العلوم الاسلامية, تقدم شروحات وخطب ومقالات حصرية فى هذا المجال , كما توجد ايضا اقسام متنوعة فى عدد من المجالات الاخرى , وايضا المدونة تجد فى العديد من الشروحات فى مجال تربية الناشئة وايضا نقدم بعض الطرق للسير في هذه الدعوة الى الله على نور وبصيرة من الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح , تم انشاء المدونة بداية العام 1441ه