مقال بعنوان: المولد النبوي الشريف .... بقلم ابي عبدالله فهمي البوري
المولد النبوي الشريف
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا ,من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل
فلا هادي له, واشهد أن لا اله إلا الله, وحده لا شريك له, واشهد أن محمدا عبده
ورسوله.
(يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته
ولا تموتن إلا وانتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من
نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون
به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)
(يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا
قولا سديدا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا
عظيما).
((أما بعد :
فان خير الحديث كتاب الله, و خير الهدي هدي
محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة و
كل ضلالة في النار)) .
وبعد :
فإن مما اشتهر وانتشر, بين صفوف المسلمين,
خلت قرون الأولين من الصحب المكرمين والتابعين لهم وتابع التابعين, ومن سلك سبيلهم
إلى يوم الدين, ما يعرف بمولد نبينا الأمين عليه أفضل صلاة وأتم تسليم, حتى جعلوه
من أصول الدين, يوالى عليه ويعادى, ويحكم عليه بتضليل وربما يصل إلى التكفير, وسبب
ذلك انتشار الجهل, وكثرة المضلين فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:
(إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم
اللسان)صحيح الترغيب والترهيب132رواه الطبراني في
الكبير والبزار ورواته محتج بهم في الصحيح. الأمر الذي أدى إلى ظهور أمور لم تكن من الدين إما
محبة للخير وإما قصدا للضير, وايا كان فهذا لا يجعل الخطأ صوابا, ولا الباطل حقا,
ولا البدعة سنة ودينا. (وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا} . قَالَ الْفُضَيْل ابْنُ عِيَاضٍ رَحمه اللَّهُ تعالى أَخْلَصُهُ
وَأَصْوَبُهُ. قَالُوا: يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ؟ وَأَصْوَبُهُ؟ قَالَ:
إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ وَإِذَا
كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا
صَوَابًا وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ. وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى
السُّنَّةِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْفُضَيْل مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ
الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ فِي الْعَمَلِ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا
مَأْمُورًا بِهِ وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ
وَجْهَ اللَّهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} .
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "
اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا
وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدِ فِيهِ شَيْئًا ". وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {بَلَى
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ
أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ
مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} . وَفِي
صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:
أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ. مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ
غَيْرِي فَإِنِّي مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ كُلُّهُ لِلَّذِي أَشْرَكَ بِهِ} . وَفِي
السُّنَنِ عَنْ العرباض بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: " {وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ
فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا
تَعْهَدُ إلَيْنَا فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ مَنْ
يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي
وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا
بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ
الْأُمُورِ. فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ
عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
" {مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ} وَفِي
لَفْظٍ " {مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ} .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: " {إنَّ أَحْسَنَ
الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرَّ
الْأُمُورِ مُحْدِثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ})مجموعة الفتاوى22/188-189 .
تعريف المولد: ما هو المولد النبوي الشريف؟ إن المولد النبوي الشريف
في عرف اللغة العربية هو المكان أو الزمان الذي ولد فيه خاتم الأنبياء وإمام
المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فمولده المكاني (قَالَ الزُّبَيْرُ
بْنُ بَكَّارٍ: حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي شِعْبِ أَبِي
طَالِبٍ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى.
وَوُلِدَ بِمَكَّةَ بِالدَّار الْمَعْرُوفَة
بدار مُحَمَّد بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ
لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ
طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ مُكْرَمٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ
ابْن شَرِيكٍ.
عَنْ شُعَيْبِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ جَدِّهِ قَالَ: حُمِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي يَوْم عَاشُورَاء فِي الْمُحَرَّمِ، وَوُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ
عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ
غَزْوَةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْخَيْزُرَانَ،
وَهِيَ أَمُّ هَارُونَ الرَّشِيدِ، لَمَّا حَجَّتْ أَمَرَتْ بِبِنَاءِ هَذِهِ
الدَّارِ مَسْجِدًا.
فَهُوَ يُعْرَفُ بهَا الْيَوْم)السيرة النبوية لابن كثير1/200.
. (ومولده ألزماني : صَلَوَاتُ اللَّهِ
عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ
حَدِيث غيلَان بن جرير عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ ،عَنْ
أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي
صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: " ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ
وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ ". ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ
فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ. قَالَهُ ابْنُ
عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ، وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ
نَجِيحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيِّ.
وَقِيلَ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْهُ. حَكَاهُ
الْحُمَيْدِيُّ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ.
وَرَوَاهُ مَالك وَعقيل وَيُونُس ابْن
يَزِيدَ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ
مُطْعِمٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَصْحَابِ
التَّارِيخِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهُ وَقَطَعَ بِهِ الْحَافِظ الْكَبِير مُحَمَّد
ابْن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ.
وَرجحه الْحَافِظ أَبُو الْخطاب بن دحْيَة
فِي كِتَابه: " التَّنْوِير فِي مولد الْبشر النَّذِيرِ ".
وَقِيلَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْهُ نَقَلَهُ ابْنُ
دِحْيَةَ فِي كِتَابِهِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي
جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ وَرَوَاهُ مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ كَمَا مَرَّ.
وَقِيلَ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ.
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي
مُصَنَّفِهِ عَنْ عَفَّانَ، عَنْ سَعِيدِ بن ميناء، عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ
أَنَّهُمَا قَالَا: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَامَ الْفِيلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ربيع الأول
وَفِيه بعث وَفِيه عرج بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفِيهِ هَاجَرَ وَفِيهِ مَاتَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ
الْجُمْهُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ لسبعة عشر خَلَتْ مِنْهُ: كَمَا
نَقَلَهُ ابْنُ دِحْيَةَ عَنْ بَعْضِ الشِّيعَةِ.
ابْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ الْأَوَّلُ
أَنَّهُ لِثَمَانٍ مَضَيْنَ مِنْهُ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحُمَيْدِيُّ وَهُوَ
أَثْبَتُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ وُلِدَ فِي
رَمَضَانَ.
نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ
الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَكَانَ مُسْتَنَدُهُ
أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي رَمَضَانَ بِلَا
خِلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، فَيَكُونُ
مَوْلِدُهُ فِي رَمَضَانَ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ
الْحَافِظُ، عَنْ خَلَفِ بْنِ مُحَمَّدٍ كُرْدُوسٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنِ
الْمُعَلَّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ
الِاثْنَيْنِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ يَوْمَ
الِاثْنَيْنِ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ
الْبَقَرَةُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. رَوَاهُ
ابْنُ عَسَاكِرَ .)السيرة
النبوية لابن كثير198-200
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ
الْحِزَامِيُّ : وَهُوَ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَائِنَا
أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ، وَبُعِثَ عَلَى
رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الْفِيلِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ
أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ:
حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ
أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ وُلِدْتُ أَنَا وَرَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ، كُنَّا لِدَيْنِ .... وَالْمَقْصُودُ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ
عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
فَقِيلَ بَعْدَهُ بِشَهْرٍ، وَقِيلَ
بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ بِخَمْسِينَ يَوْمًا، وَهُوَ أَشْهَرُ.
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: كَانَ
قُدُومُ الْفِيلِ لِلنِّصْفِ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَمَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ لَيْلَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ عَامُ
الْفِيلِ قَبْلَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِعَشْرِ سِنِينَ.
قَالَهُ ابْنُ أَبْزَى.)السيرة النبوية لابن كثير198-203.
مؤسس المولد:
(ذَلِكَ
الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ صَاحِبُ إرْبِيلَ وَأَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ عِنْدَهُ فِي الْمَوْلِدِ
النَّبَوِيِّ أَعْيَانُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَنَّ الْحَافِظَ أَبَا
الْخَطَّابِ بْنَ دِحْيَةَ صَنَّفَ لَهُ مُجَلَّدًا فِي الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ
سَمَّاهُ التَّنْوِيرُ فِي مَوْلِدِ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَافِظُ الْعَصْرِ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ
حَجَرٍ-العسقلاني- عَنْ عَمَلِ
الْمَوْلِدِ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ أَصْلُ عَمَلِ الْمَوْلِدِ بِدْعَةٌ لَمْ
يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ
وَلَكِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَحَاسِنَ وَضِدِّهَا فَمَنْ
تَحَرَّى فِي عَمَلِهَا الْمَحَاسِنَ وَتَجَنَّبَ ضِدَّهَا كَانَ بِدْعَةً
حَسَنَةً وَمَنْ لَا فَلَا.
قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي تَخْرِيجُهَا
عَلَى أَصْلٍ ثَابِتٍ وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّ
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ
الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ
أَغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ فِرْعَوْنَ وَنَجَّى مُوسَى فَنَحْنُ نَصُومُهُ شُكْرًا
لِلَّهِ تَعَالَى» فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ فِعْلُ الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلَى مَا مَنَّ
بِهِ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ إسْدَاءِ نِعْمَةٍ أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ وَيُعَادُ
ذَلِكَ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ وَالشُّكْرُ لِلَّهِ
يَحْصُلُ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كَالسُّجُودِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ
وَالتِّلَاوَةِ وَأَيُّ نِعْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ النِّعْمَةِ بِبُرُوزِ هَذَا
النَّبِيِّ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي
أَنْ يَتَحَرَّى الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُطَابِقَ قِصَّةَ مُوسَى فِي يَوْمِ
عَاشُورَاءَ وَمَنْ لَمْ يُلَاحِظْ ذَلِكَ لَا يُبَالِي بِعَمَلِ الْمَوْلِدِ فِي
أَيِّ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ بَلْ تَوَسَّعَ قَوْمٌ فَنَقَلُوهُ إلَى يَوْمٍ مِنْ
السَّنَةِ وَفِيهِ مَا فِيهِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ عَمَلِهِ وَأَمَّا
مَا يُعْمَلُ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ عَلَى مَا يُفْهِمُ
الشُّكْرَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التِّلَاوَةِ
وَالْإِطْعَامِ وَالصَّدَقَةِ وَإِنْشَادِ شَيْءٍ مِنْ الْمَدَائِحِ
النَّبَوِيَّةِ وَالزُّهْدِيَّةِ الْمُحَرِّكَةِ لِلْقُلُوبِ إلَى فِعْلِ
الْخَيْرِ وَالْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ وَأَمَّا مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ السَّمَاعِ
وَاللَّهْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ
مُبَاحًا بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ لِلسُّرُورِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ لَا بَأْسَ
بِإِلْحَاقِهِ بِهِ وَمَهْمَا كَانَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا فَيُمْنَعُ وَكَذَا
مَا كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى اهـ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْحَافِظَ ابْنَ
نَاصِرِ الدِّينِ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِوِرْدِ الصَّادِي فِي
مَوْلِدِ الْهَادِي قَدْ صَحَّ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ يُخَفَّفُ عَنْهُ عَذَابُ
النَّارِ فِي مِثْلِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ لِإِعْتَاقِهِ ثُوَيْبَةَ سُرُورًا
بِمِيلَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَنْشَدَ
إذَا كَانَ هَـــــــــذَا كَافِـــــــــــــرًا
جَاءَ ذَمُّهُ ... وَتَبَّتْ يَدَاهُ فِي الْجَحِيمِ
مُخَلَّدَا
أَتَى أَنَّهُ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْــــــــــــــنِ
دَائِمًا ... يُخَفَّفُ عَنْهُ لِلســـــــــــرُورِ
بِأَحْمَدَا
فَمَا الظَّنُّ بِالْعَبْدِ الَّذِي كَانَ
عُمْرُهُ ... بِأَحْمَدَ مَسْرُورًا وَمَاتَ مـــــــُوَحِّدَا
انْتَهَى اهـ وَقَدْ أَطَالَ فِي إيضَاحِ
الِاحْتِجَاجِ لِكَوْنِ الْمَوْلِدِ مَحْمُودًا مُثَابًا عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ مَعَ
إيضَاحِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَنْبَغِي اسْتِفَادَتُهُ
وَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مُؤَلَّفًا سَمَّاهُ حُسْنَ الْمَقْصِدِ فِي عَمَلِ
الْمَوْلِدِ فَجَزَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَرَّرَ فِي ذَلِكَ
الْمُؤَلَّفِ بَيَانَ انْقِسَامِ الْبِدْعَةِ إلَى الْأَحْكَامِ كُلِّهَا حَتَّى
لَا يُنَافِي كَوْنُ عَمَلِ الْمَوْلِدِ بِدْعَةً كَوْنَهُ مَحْمُودًا مُثَابًا
عَلَيْهِ اهـ .)تحفة المحتاج شرح المنهاج احمد بن حجر الهيتمي7/423
أقوال العلماء:
اولا المؤيدين له: (فِي فَتَاوَى الْحَافِظِ السُّيُوطِيّ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ أَنَّهُ وَقَعَ
السُّؤَالُ عَنْ عَمَلِ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ
مَا حُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ وَهَلْ هُوَ مَحْمُودٌ أَوْ مَذْمُومٌ وَهَلْ
يُثَابُ فَاعِلُهُ أَوْ لَا قَالَ وَالْجَوَابُ أَنَّ أَصْلَ عَمَلِ الْمَوْلِدِ
الَّذِي هُوَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ وَقِرَاءَةُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ
وَرِوَايَةُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي مَبْدَأِ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا وَقَعَ فِي مَوْلِدِهِ مِنْ الْآيَاتِ ثُمَّ
يُمَدُّ لَهُمْ سِمَاطٌ يَأْكُلُونَهُ وَيَنْصَرِفُونَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ
عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا
لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ قَدْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - وَإِظْهَارِ الْفَرَحِ وَالِاسْتِبْشَارِ بِمَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ فِعْلَ...) تحفة المحتاج في شرح النهاج7/422
و (قال الإمام أبو شامة شيخ النووي: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل
عام في اليوم الموافق ليوم مولده - صلى الله عليه وسلم - من الصدقات والمعروف،
وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك - مع ما فيه من الإحسان للفقراء - مشعر بمحبة
النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكر الله تعالى على ما من
به من إيجاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أرسله رحمة للعالمين.
قال السخاوي: إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ثم
لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد، ويتصدقون في
لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من
بركاته كل فضل عميم.
وقال ابن الجوزي: من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى
عاجلة بنيل البغية والمرام، وأول من أحدثه من الملوك الملك المظفر أبو سعيد صاحب إربل،
وألف له الحافظ ابن دحية تأليفا سماه التنوير في مولد البشير النذير، فأجازه الملك
المظفر بألف دينار وصنع الملك المظفر المولد، وكان يعمله في ربيع الأول ويحتفل به
احتفالا هائلا، وكان شهما شجاعا، بطلا عاقلا، عالما عادلا، وطالت مدته في ملك إلى
أن مات وهو محاصر الفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة، محمود السيرة والسريرة.
قال سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان: (حكى) لي بعض من حضر سماط المظفر في
بعض المواليد فذكر أنه عد فيه خمسة آلاف رأس غنم شواء، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة
ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى، وكان يحضر عنده في الموالد أعيان العلماء
والصوفية، فيخلع عليهم، ويطلق لهم البخور، وكان يصرف على الموالد ثلاثمائة ألف
دينار.
واستنبط الحافظ ابن حجر تخريج عمل المولد على أصل ثابت في السنة، وهو ما في
الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم
عاشوراء، فسألهم، فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، ونحن نصومه شكرا.
فقال نحن أولى بموسى منكم وقد جوزي أبو لهب
بتخفيف العذاب عنه يوم الإثنين بسبب إعتاقه ثويبة لما بشرته بولادته - صلى الله
عليه وسلم -، وأنه يخرج له من بين إصبعيه ماء يشربه كما أخبر بذلك العباس في منام
رأى فيه أبا لهب.
ورحم الله القائل، وهو حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر، حيث قال:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه وتبت يداه في
الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الإثنين دائما يخفف عنه للسرور بأحمد فما الظن بالعبد
الذي كان عمره بأحمد مسرورا ومات موحدا قال الحسن البصري، قدس الله سره: وددت لو كان لي مثل جبل أحد ذهبا لأنفقته
على قراءة مولد الرسول.
قال الجنيدي البغدادي رحمه الله: من حضر مولد الرسول وعظم قدره فقد فاز
بالإيمان.
قال معروف الكرخي قدس الله سره: من هيأ لأجل قراءة مولد الرسول طعاما،
وجمع إخوانا، وأوقد سراجا، ولبس جديدا، وتعطر وتجمل تعظيما لمولده حشره الله تعالى
يوم القيامة مع الفرقة الأولى من النبيين، وكان في أعلى عليين.
ومن قرأ مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم -
على دراهم مسكوكة فضة كانت أو ذهبا وخلط تلك الدراهم مع دراهم أخر وقعت فيها
البركة ولا يفتقر صاحبها ولا تفرغ يده ببركة
مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وقال الإمام اليافعي اليمنى: من جمع لمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - إخوانا وهيأ
طعاما وأخلى مكانا وعمل إحسانا وصار سببا لقراءة مولد الرسول بعثه الله يوم
القيامة مع الصديقين والشهداء والصالحين ويكون في جنات النعيم.
وقال السري السقطي: من قصد موضعا يقرأ فيه مولد النبي - صلى الله عليه وسلم
- فقد قصد روضة من رياض الجنة لأنه ما قصد ذلك الموضع إلا لمحبة الرسول.
وقد قال عليه السلام: من أحبني كان معي في
الجنة قال سلطان العارفين جلال الدين السيوطي في كتابه الوسائل في شرح الشمائل: ما
من بيت أو مسجد أو محلة قرئ فيه مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا حفت
الملائكة بأهل ذلك المكان وعمهم الله بالرحمة والمطوقون بالنور - يعني جبريل
وميكائل وإسرافيل وقربائيل وعينائيل والصافون والحافون والكروبيون - فإنهم يصلون
على ما كان سببا لقراءة مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وما من مسلم قرئ
في بيته مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا رفع الله تعالى القحط والوباء
والحرق.
والآفات والبليات والنكبات والبغض والحسد
وعين السوء واللصوص عن أهل ذلك البيت، فإذا مات هون الله)اعانة الطالبين على حل الفاظ فتح
المعين3/413-415 .
ثانيا: المعارضين له: قال تاج الدين الفاكهاني رحمه الله تعالى: بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو
أهله: (أما بعد: فإنه قد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض
الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد: هل له أصل في الشرع، أو هو بدعة وحدث في
الدين؟ ؟ وقصدوا الجواب من ذلك مبينا، والإيضاح عنه معينا، فقلت وبالله التوفيق:
لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة
الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها المبطلون،
وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون بدليل أنا إذا أدرنا عليها الأحكام الخمسة: قلنا إما
أن يكون واجبا أو مندوبا، أو مباحا أو مكروها أو محرما، وليس هو بواجب إجماعا، ولا
مندوبا، لأن حقيقة المندوب: ما طلبه الشارع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه
الشارع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون فيما علمت، وهذا
جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت ولا جائزا أن يكون مباحا، لأن الابتداع
في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو محرما، وحينئذ
يكون الكلام في فصلين، والفرقة بين حالين:
أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله
وأصحابه
في عياله لا يجازون في ذلك الاجتماع أكل
الطعام، ولا يقترفون شيئا من الآثام. هذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ
لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام، سرج
الأزمنة، وزين الأمكنة.
والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به
العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه . يؤلمه، ويوجعه لما يجد من ألم الحيف وقد قال
العلماء: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف . لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من
الغناء مع البطون الملأى، وآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع
الشباب المرد، والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم، أو مشرفات، والرقص بالتثني
والانعطاف، والاستغراق في اللهو.
ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن
على انفرادهن. رافعات أصواتهن بالتهتيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة
والذكر عن المشروع، والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ
لَبِالْمِرْصَادِ} الفجر:
14 وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا
يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين
من الآثام والذنوب. وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرمات
فإنا لله وإنا إليه راجعون. بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ
ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجزناه:
قد عرف المنكر واستنكر آل ... معروف في أيامنا الصعبــــــة
وصار أهل العلم في وهـــــــــــــدة ... وصار أهل الجهل في رتبة
حادوا عن الحــــــــــق فما للذي ... ساروا به فيما مضى نسبــــه
فقلت للأبرار أهـــــــــــــــــــل التقى ... والدين لما اشتدت الكـربة
لا تنكروا أحـــــــوالكم قد أتت ... توبتكم في زمن الغـــــــــــــــــربه
ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء حيث يقول:
لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب. هذا
مع أن الشهر الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم هو ربيع الأول هو بعينه الذي
توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله
نرجو حُسْنَ القبول. إلى هنا انتهت رسالة تاج الدين الفاكهاني المسماة: "
المورد في الكلام على المولد ")الانصاف فيما قيل في المولد من الغلو
والاجحاف1/81-85
وقال علامة مصر رشيد رضا كما في فتاواه 4/1242،1243: "هذه الموالد بدعة بلا نزاع، وأول من
ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر".
وقال شيخنا محمد بن عثيمين في القول المفيد، باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم الغلو
في الصالحين 1/386،387: "الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم
على الوجه المعروف بدعة ظاهرة؛ لأنه لم يكن معروفاً على عهد النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه".
وينظر أيضاً في ذكر الإجماع على عدم فعل
الصحابة للمولد، وأن ذلك دليل على أنه بدعة محرمة: فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز، جمع الإفتاء 1/185، 230، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع أشرف بن عبد المقصود 1/127"، الرد القوي للشيخ حمود التويجري 1/70، الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف لإسماعيل الأنصاري 1/358، 359، القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل لأبي بكر الجزائري 2/429، عيد اليوبيل لبكر
أبو زيد ص16.
"1" قال شيخنا عبد العزيز بن باز كما في مجموع فتاواه "جمع الإفتاء1/186،187": "بعضهم يظن أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم يحضر المولد، ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل،
واقبح الجهل، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة،
وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم". وينظر المرجع
نفسه 1/232،233، الفتاوى الحديثية لابن حجر المكي الشافعي ص60.
"2" ينظر في بيان هذه البدع
والمحرمات المدخل لابن الحاج المالكي 1/229-239، ورسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي،
والسنن والمبتدعات للشقيري ص139، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء
ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من
المنكرات التي ينهى عنها، ولا يستحب ذلك إلا جاهل أو زنديق" ينظر: رسالة "حكم الاحتفال
بالمولد"1/34.
"3" قال الشيخ محمد بن عثيمين كما في فتاواه "جمع أشرف بن عبد
المقصود
1/127، 128"
بعد ذكره لبعض الشركيات التي ذكرها البوصيري
في بردته، ومنها:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم
اللوح والقلم
قال: "وأنا أعجب لمن يتكلم بهذا الكلام
إن كان يعقل معناه كيف يُسوّغ لنفسه أن يقول مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام:
فإن من جودك الدنيا وضرتها. ومِنْ للتبعيض، والدنيا هي الدنيا وضرتها هي الآخرة،
فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس كل جوده، فما
الذي بقي لله عز وجل، ما بقي له شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة. وكذلك
قوله: ومن علومك علمُ اللوح والقلم. ومِنْ: هذه للتبعيض، ولا أدري ماذا يبقى لله
تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب".
"1" ينظر ما سبق في آخر مسألة
التوسل من أن الإكثار من الصلاة عليه - عليه الصلاة والسلام - في الدعاء من أسباب
استجابة الدعاء ومغفرة الذنوب.
"2" فقد ورد في فضل الإكثار من
الصلاة والسلام عليه في هذا اليوم عدة أحاديث تنظر في صحيح ابن حبان "910"، 3/190-193، وفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
"22"،
وجلاء الأفهام ص32-38، و227.
"1" قال الفاكهاني المالكي في المورد ص14:"هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى
الله عليه وسلم - وهو ربيع الأول - هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح أولى
من الحزن فيه".
وقال ابن الحاج المالكي في المدخل 1/238:"ثم العجب العجيب كيف يعملون المولد
بالأغاني والفرح والسرور لأجل مولده صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم، وهو
عليه الصلاة والسلام انتقل فيه إلى كرامة ربه وفجعت الأمة فيه، وأصيبت بمصاب عظيم
لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبداً؟ على هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير لما
أصيب به. فانظر في هذا الشهر الكريم كيف يلعبون فيه ويرقصون، ولا يبكون ولا
يحزنون؟ ولو فعلوا ذلك لكان أقرب إلى الحال، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان
أيضاً بدعة".
وقال محمد بن عبد السلام الشقيري المصري في السنن والمبتدعات ص139:"في هذا
الشهر ولد، وفيه توفي، فلماذا يفرحون بميلاده ولا يحزنون لوفاته".
"2" قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص619: "ما يحدثه بعض الناس
إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه
وسلم، وتعظيماً … من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، مع اختلاف الناس
في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان
خيراً. ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف - رضي الله عنهم - أحق به
منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا، وهم
على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء
سنته باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن
هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان".
وقال شيخنا عبد العزيز بن باز - رحمه الله - كما في فتاواه "جمع
الإفتاء 1/232-235" عند مناقشته لكلام من يبيح هذا الاحتفال:"نقول لمن
يقول بذلك إذا كنت سنياً ومتبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهل فعل ذلك هو أو
أحد من صحابته الكرام أو التابعين لهم بإحسان، أم هو التقليد الأعمى لأعداء
الإسلام من اليهود والنصارى ومن على شاكلتهم. وليس حب رسول الله صلى الله عليه
وسلم يتمثل فيما يقام من الاحتفالات بمولده، بل بطاعته فيما أمر به، وتصديقه فيما
أخبر به، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وكذا بالصلاة عليه
عند ذكره، وفي الصلوات، وفي كل وقت ومناسبة… وليس منع الاحتفال البدعي بمولد
الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يكون فيه من غلو أو شرك ونحو ذلك عملاً غير
إسلامي، أو إهانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو طاعة له وامتثال لأمره،
حيث قال: " إياكم والغلو في الدين "، وقال: " لا تطروني كما أطرت
النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله ".
"1" قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث:" فمن رغب عن سنتي فليس
مني "، والذي سبق تخريجه عند الكلام على بدعة الترك، قال في الفتح
9/105:"المراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني".)تسهيل العقيدة الاسلامية/الجبرين
المفاسد المترتبة على بدعة المولد:
(ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ
وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كَيْفَ زَادَتْ عَلَى مَا فِي مَوْلِدِ
الرِّجَالِ فَتَعَدَّتْ فِتْنَةُ الرِّجَالِ إلَى النِّسَاءِ ثُمَّ تَعَدَّى
ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ آلَ أَمْرُهُمْ إلَى الْخُرُوجِ إلَى الْمَقَابِرِ وَهَتْكِ
الْحَرِيمِ هُنَاكَ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالشُّبَّانِ
مُخْتَلَطِينَ عَلَى الْوَاعِظِ أَوْ الْوَاعِظَةِ وَتُنْصَبُ لَهُمْ الْمَنَابِرُ
وَيَصْعَدُونَ عَلَيْهَا يَعِظُونَ وَيَزِيدُونَ وَيَنْقُصُونَ وَيَتَمَايَلُونَ
كَمَا قَدْ عُلِمَ مِنْ أَفْعَالِ الْوُعَّاظِ وَزَعَقَاتِهِمْ بِتِلْكَ الطُّرُقِ
الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ وَالْهُنُوكُ الْمَذْمُومَةُ شَرْعًا الَّتِي لَا
تَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ أَعْجَبَهُمْ
شَأْنُهُمْ وَيَتَمَايَلُونَ مَعَ كُلِّ صَوْتٍ وَيَرْجِعُونَ بِحَسَبِ حَالِ
ذَلِكَ الصَّوْتِ مَعَ التَّكْسِيرِ وَالضَّرْبِ بِأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ
عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْكُرْسِيِّ وَإِظْهَارِ التَّحَزُّنِ وَالْبُكَاءِ وَهُوَ
خَالٍ مِنْ الْبُكَاءِ وَالْخَشْيَةِ وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ
وَهُوَ عَرِيٍّ عَنْ التَّوْفِيقِ فِيهِ. أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ «إذَا
اسْتَكْمَلَ نِفَاقُ الْمَرْءِ كَانَتْ عَيْنَاهُ بِحُكْمِ يَدِهِ يُرْسِلُهُمَا
مَتَى شَاءَ» انْتَهَى وَهَذَا نُشَاهِدُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فَتَجِدُ
بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْمَكَّاسِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الظَّلَمَةِ تُذَكِّرُهُمْ
بِشَيْءٍ مِنْ الْمَوَاعِظِ أَوْ التَّخْوِيفِ فَيُرْسِلُونَ دُمُوعَهُمْ إذْ
ذَاكَ وَيَتَخَشَّعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ ثُمَّ يَبْقَوْنَ عَلَى حَالِهِمْ لَا
يُقْلِعُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْقُبُورِ مِنْ الْكَشَفَةِ مَا قَدْ تَقَدَّمَ
وَإِنَّ النِّسَاءَ كَأَنَّهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ لَا يَحْتَجِبْنَ فَكَأَنَّ
الرِّجَالَ فِي الْقُبُورِ صَارُوا نِسَاءً فَإِذَا دَخَلُوا الْبَلَدَ رَجَعُوا
رِجَالًا يُسْتَحْيَا مِنْهُمْ فِيهَا)المدخل لابن الحاج2/16.
(الثَّانِي: انْتِهَاكُ حُرْمَةِ هَذِهِ
اللَّيْلَةِ الْمُعَظَّمَةِ، وَهَذَا الْيَوْمُ الْعَظِيمِ، وَهَذَا الشَّهْرُ
الْكَرِيمُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ أَعْظَمُوا الْمَعْصِيَةَ
بِفِعْلِهَا عَلَى الْقُبُورِ؛ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الْخَشْيَةِ، وَالْفَزَعِ،
وَالِاعْتِبَارِ، وَالْحَثِّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِهَذَا الْمَصْرَعِ
الْعَظِيمِ الْمَهُولِ أَمْرُهُ، فَرَدُّوا ذَلِكَ لِلنَّقِيضِ، وَجَعَلُوهُ فِي
مَوْضِعِ فَرَحٍ وَمَعَاصٍ كَحَالِ الْمُسْتَهْزِئِينَ.
الرَّابِعُ: أَذِيَّةُ الْمَوْتَى مِنْ
الْمُسْلِمِينَ.
الْخَامِسُ: قِلَّةُ احْتِرَامِهِمْ
لِتَعْظِيمِ جَنَابِ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالصُّلَحَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ
عَلَى زَعْمِهِمْ يَمْضُونَ لِلتَّبَرُّكِ بِهِمْ وَيَفْعَلُونَ عِنْدَهُمْ مَا
تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَةِ.
السَّادِسُ: أَنَّهُمْ اتَّصَفُوا بِسَبَبِ
مَا ذُكِرَ بِصِفَةِ النِّفَاقِ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ صِفَتُهُ قَصْدُ
الْمَعْصِيَةِ وَإِظْهَارُهَا فِي الصُّورَةِ أَنَّهَا طَاعَةٌ فَيَا لِلْعَجَبِ
كَيْفَ يَقْدِرُ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَسْمَعَ بِهَذِهِ الْمُنَاكِرِ وَلَا
يَتَنَغَّصُ لَهَا وَلَا يَتَشَوَّشُ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي
الْحَدِيثِ فِيمَنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ بِقَلْبِهِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ
خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ» .
فَكَيْفَ يَتْرُكُ حَرِيمَهُ، أَوْ
أَقَارِبَهُ، أَوْ مَنْ يَلُوذُ بِهِ يَخْرُجْنَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ
رُكُوبِهِنَّ الدَّوَابَّ مَعَ الْمُكَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ، وَقَدْ
تَقَدَّمَ أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ لَهُنَّ نَصِيبٌ فِي الْخُرُوجِ إلَى
الْجَنَائِزِ وَلَا الْقُبُورِ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا ثَلَاثُ خَرَجَاتٍ عَلَى
مَا سَبَقَ وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ فِي الْقُبُورِ
حَتَّى صَارَ أَمْرُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُومُ إنْسَانٌ بِشَيْءٍ يَحْمِلُهُ
كَالْقُبَّةِ عَلَى عَمُودٍ حَوْلَهَا قَنَادِيلُ كَثِيرَةٌ فَيَجْتَمِعُ لَهُ
مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ النِّسَاءِ، وَالشُّبَّانِ، وَالرِّجَالِ
جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ يَتَزَاوَرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَجْرِي بَيْنَهُمْ
وَبَيْنَهُنَّ مِنْ الْآفَاتِ فِي الدِّينِ، وَالدُّنْيَا مَا لَا يُحْصَى
كَثْرَةً)المدخل لابن
الحاج1/311
السابع: انتهاك حرمة المساجد, وذلك برفع الأصوات
فيها, وضرب الدفوف, والتمايل والرقص, غير مبالين بمقصد بناءها قال تعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ
تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ
الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) }النور36-38.
الثامن: مخالفة الهدي النبوي, ولاشك أن مخالفته تؤدي إلى
الفتنة, قال تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ
فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) }النور63.
التاسع: اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالتقصير في
التبليغ والبيان للأمة وربنا عز وجل يقول: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ
دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) }المائدة3.
شبهات وردود:
([علل غير كافية في إقامة المولد]
إن مما يدل على أن مسألة المولد النبوي
الشريف قد اتبع فيها الهوى ولم يتبع فيها الشرع تبرير أهلها لها بالعلل الخمس
الآتية وهي:
1 - كونها ذكرى سنوية يتذكر فيها المسلمون نبيهم صلى الله
عليه وسلم، فيزداد حبهم وتعظيمهم له.
2 - سماع بعض الشمائل المحمدية، ومعرفة النسب النبوي
الشريف.
3 - إظهار الفرح بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم لما يدل
ذلك على حب الرسول وكمال الإيمان به.
4 - إطعام الطعام وهو مأمور به، وفيه أجر كبير لا سيما بنية
الشكر لله تعالى.
5 - الاجتماع على ذكر الله تعالى من قراءة القرآن والصلاة
على النبي عليه الصلاة والسلام.
هذه خمس علل تعلل بها بعض مجيزي المولد وهي
علل كما سترى غير كافية وباطلة أيضا لما فيها من معنى الاستدراك على الشارع،
بتشريع ما لم يشرعه مع الحاجة إليه. وإليك أيها القارئ بيان بطلان هذه العلل واحدة
بعد أخرى.
1 - كون المولد ذكرى إلخ. . هذه تصلح أن تكون علة لو كان
المسلم لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في كل يوم عشرات المرات فتقام له ذكرى
سنوية أو شهرية يتذكر فيها نبيه ليزداد بذلك إيمانه به وحبه له، أما والمسلم لا
يصلي صلاة من ليل أو نهار إلا ذكر فيها رسوله وصلى عليه فيها وسلم. ولا يدخل وقت
صلاة ولا يقام لها إلا ويذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ويصلي عليه. إن الذي تقام
له ذكرى خشية النسيان هو من لا يذكر. أما من يذكر ولا ينسى فكيف تقام له ذكرى حتى
لا ينسى، أليس هذه من تحصيل ما هو حاصل، وتحصيل الحاصل عبث ينزه عنه العقلاء.
2 - سماع بعض الشمائل المحمدية الطاهرة والنسب الشريف هذه
علة غير كافية في إقامة المولد، لأن معرفة الشمائل المحمدية والنسب الشريف لا يكفي
فيها أن تسمع مرة في العام، وماذا يغني سماعها مرة، وهي جزء من العقيدة الإسلامية؟
إن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يعرف نسب نبيه صلى الله عليه وسلم وصفاته كما
يعرف الله تعالى: بأسمائه وصفاته. وهذا لا بد له من التعليم. ولا يكفي فيه مجرد
سماع تلاوة قصة المولد مرة في العام.
3 - إعلان الفرح إلخ هذه علة واهية، إذ الفرح إما أن يكون
بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو بيوم ولد فيه، فإن كان بالرسول صلى الله عليه وسلم
فليكن دائما كلما ذكر الرسول ولا يختص بوقت دون وقت، وإن كان باليوم الذي ولد فيه،
فإنه أيضا اليوم الذي مات فيه، ولا أحسب عاقلا يقيم احتفال فرح وسرور باليوم الذي
مات فيه حبيبه، وموت الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم مصيبة
أصابت المسلمين حتى أن الصحابة رضي الله
عنهم كانوا يقولون: من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته برسول الله صلى الله عليه وسلم.
أضف إلى ذلك أن الفطرة البشرية قاضية: أن الإنسان يفرح بالمولود يوم ولادته، ويحزن
عليه يوم موته، فسبحان الله، كيف يحاول الإنسان غرورا تغيير الطبيعة!!
4 - إطعام الطعام إلخ. هذه العلة أضعف من سابقاتها؟ إذ
إطعام الطعام مندوب إليه مرغب فيه كلما دعت الحاجة إليه فالمسلم يقري الضيف ويطعم
الجائع ويتصدق طوال العام، ولم يكن في حاجة إلى يوم خاص من السنة يطعم فيه الطعام،
وعليه فهذه ليست بعلة تستلزم إحداث بدعة بحال من الأحوال.
5 - الاجتماع على الذكر إلخ هذه العلة فاسدة وباطلة لأن
الاجتماع على الذكر بصوت واحد لم يكن معروفا عند السلف فهو في حد ذاته بدعة منكرة.
إما
المدائح والقصائد بالأصوات المطربة الشجية
فهذه بدعة أقبح ولا يفعلها إلا المتهوكون . في دينهم والعياذ بالله تعالى، مع أن
المسلمين العالمين يجتمعون كل يوم وليلة طوال العام في الصلوات الخمس في المساجد
وفي حلق العلم لطلب العلم والمعرفة، وما هم في حاجة إلى جلسة سنوية الدافع عليها
في الغالب الحظوظ النفسية من سماع الطرب والأكل والشرب.
[شبه ضعيفة احتج بها المرخصون في الاحتفال
بالمولد]
شبه ضعيفة
احتج بها المرخصون ....وتأصلت هذه البدعة في
النفوس وأصبحت جزءا من عقيدة كثير من أهل الجهل لم يجد بدا بعض أهل العلم كالسيوطي
رحمه الله تعالى من محاولة تبريرها بالبحث عن شبه يمكن أن يستشهد بها على جواز
بدعة المولد هذه وذلك إرضاء للعامة والخاصة أيضا من جهة وتبريرا لرضى العلماء بها
وسكوتهم عنها لخوفهم من الحاكم والعوام من جهة أخرى. وهاك بيان هذه الشبه مع
إظهار ضعفها وبطلانها لتزداد بصيرة في هذه
القضية التي اضطررنا لبحثها وبيان الحق فيها. والشبه المذكورة تدور على أثر
تاريخي، وثلاثة أحاديث نبوية، ومثير هذه الشبه وبطلها هو السيوطي غفر الله تعالى
لنا وله وما كان أغناه عن مثل هذا وهو أحد علماء القرن العاشر قرن الفتن والإحن
والمحن، والعجيب أنه فرح بهذه الشبه وفاخر بها وقال: إني وجدت للمولد أصلا في
الشرع، وخرجته عليه ولا يستغرب هذا من السيوطي وهو كما قيل فيه حاطب ليل يجمع بين
الشيء وضده!!
الشبهة الأولى: في الأثر التاريخ وهو ما روي
من أن أبا لهب الخاسر رؤي في المنام، فسئل فقال: إنه يعذب في النار، إلا أنه يخفف
عنه كل ليلة اثنين، ويمص من بين أصبعيه ماء بقدر هذا وأشار إلى رأس أصبعه، وأن ذلك
كان له بسبب إعتاقه جاريته ثويبة لما بشرته بولادة محمد
صلى الله عليه وسلم لأخيه عبد الله بن عبد
المطلب، وبإرضاعها له صلى الله عليه وسلم وَرَدُّ هذه الشبهة وإبطالها من أوجه:
1 - إن أهل الإسلام مجمعون أن الشرع لا يثبت برؤى الناس
المنامية مهما كان ذو الرؤيا في إيمانه وعلمه وتقواه، إلا أن يكون نبي الله فإن
رؤيا الأنبياء وحي والوحي حق.
2 - إن صاحب هذه الرؤيا هو العباس بن عبد المطلب والذي
رواها عنه بالواسطة فالحديث إذا مرسل، والمرسل لا يحتج به ولا تثبت به عقيدة ولا
عبادة، مع احتمال أن الرؤيا رآها العباس قبل إسلامه ورؤيا الكافر حال كفره لا يحتج
بها إجماعا.
3 - أكثر أهل العلم من السلف والخلف على أن الكافر لا يثاب
على عمل صالح عمله إذا مات على كفره، وهو الحق لقول الله تعالى، {وَقَدِمْنَا إِلَى
مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] وقوله
عز وجل:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ
رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] «وقول الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد سألته
عائشة رضي الله عنها عن عبد الله بن جدعان الذي كان يذبح كل موسم حج ألف بعير،
ويكسو ألف حلة، ودعا إلى حلف الفضول في بيته: هل ينفعه ذلك يا رسول الله؟ فقال:
" لا، لأنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» وبهذا يتأكد عدم
صحة هذه الرؤيا، ولم تصبح شاهدا ولا شبهة أبدا.
4 - إن الفرح الذي فرحه أبو لهب بمولود لأخيه فرح طبيعي لا
تعبدي، إذ كل إنسان يفرح بمولود يولد له، أو لأحد إخوته أو أقاربه، والفرح إن لم
يكن لله لا يثاب عليه فاعله، وهذا يضعف هذه الرواية ويبطلها. مع أن فرح المؤمن
بنبيه معنى قائم بنفسه لا يفارقه أبدا لأنه لازم حبه، فكيف نحدث له ذكرى سنوية
نستجلبه بها، اللهم إن هذا معنى
باطل، وشبهة ساقطة باطلة لا قيمة لها ولا
وزن فكيف يثبت بها إذًا شرع لم يشرعه الله لا عن عجز ولا عن نسيان ولكن رحمة
بعباده المؤمنين، فله الحمد وله المنة.
الشبهة الثانية: فيما روي من أن النبي صلى
الله عليه وسلم قد عق عن نفسه، بعد شرعه العقيقة لأمته . وبما أن جده عبد المطلب
قد عق عنه، والعقيقة لا تعاد، دل هذا على أنه إنما فعل ذلك شكرا لله تعالى على
نعمة ولادته، أَوَ يمكن حينئذ أن يتخذ هذا أصلا تخرج عليه بدعة المولد!! هذه
الشبهة أضعف من سابقتها، ولا قيمة لها ولا وزن، إذ هي قائمة على مجرد احتمال أن
النبي صلى الله عليه وسلم قد عق شكرا على نعمة إيجاده والاحتمال أضعف من الظن،
والظن لا تثبت به الشرائع، والله يقول {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}الحجرات: 12 والرسول صلى الله عليه وسلم
يقول: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»
(1) .
وشيء آخر هو هل ثبت أن العقيقة كانت مشروعة
لأهل الجاهلية وهم يعملون بها حتى نقول إن عبد المطلب قد عق عن ابن ولده، وهل
أعمال أهل الجاهلية يعتد بها في الإسلام، حتى نقول: إذا عق النبي صلى الله عليه
وسلم عن نفسه شكرا لا قياما بسنة العقيقة، إذ قد عق عنه؟ ؟ سبحان الله ما أعجب هذا
الاستدلال وما أغربه!! وهل إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح شاة شكرا لله
تعالى على نعمة إيجاده وإمداده يلزم من ذلك اتخاذ يوم ولادته صلى الله عليه وسلم عيدا
للناس؟ ولم لم يدع إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبين للناس ماذا يجب
عليهم فيه من أقوال وأعمال؟ كما بين ذلك في عيدي الفطر والأضحى. أنسي ذلك أم كتمه
وهو المأمور بالبلاغ؟ سبحانك اللهم إن رسولك ما نسي ولا كتم ولكن الإنسان كان أكثر
شيء جدلا!!
الشبهة الثالثة: فيما صح من أن النبي صلى الله
عليه وسلم صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه ولما سئل عن ذلك قال: «إنه يوم صالح أنجى
الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل» - الحديث ". . . . . . ووجه الشبهة فيه:
أنه لما صام النبي صلى الله عليه وسلم وأمر المؤمنين بالصيام في هذا اليوم شكرا
لله تعالى على نجاة موسى وبني إسرائيل، لنا أن نتخذ نحن يوم ولادة النبي صلى الله
عليه وسلم لا يوم صيام ولكن يوم أكل وشرب وفرح، فما أعجب هذا الفهم المعكوس،
والعياذ بالله تعالى، إذ المفروض أننا نصوم كما صام النبي صلى الله عليه وسلم لا
أننا نقيم المآدب والأفراح بالطبول والمزامير، فهل الله تعالى يشكر بالطرب والأكل
والشرب؟ اللهم لا، لا. ثم هل لنا من حق في أن نشرع لأنفسنا صياما أو غيره، إنما
واجبنا الاتباع فقط. وقد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء فكان صيامه سنة
وسكت عن يوم ولادته فلم يشرع فيه شيئا فوجب أن
نسكت كذلك، ولا نحاول أن نشرع فيه صياما ولا
قياما فضلا عن اللهو واللعب.
الشبهة الرابعة: فيما صح عنه صلى الله عليه
وسلم من أنه كان يصوم يوم الاثنين والخميس وتعليله ذلك بقوله: «أما يوم الاثنين فإنه يوم
ولدت فيه وبعثت فيه، وأما يوم الخميس فإنه يوم تعرض فيه الأعمال على الله تعالى
فأنا أحب أن يعرض عملي على ربي وأنا صائم» .
ووجه الشبهة عندهم والتي خرجوا عليها بدعة
المولد هي كونه صلى الله عليه وسلم صام يوم الاثنين وعلله بقوله «إنه يوم ولدت فيه
وبعثت فيه» وَرَدُّ هذه الشبهة وإبطالها وإن كانت أضعف من سابقاتها من أوجه:
الأول: إنه إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة
الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فإن المعقول والمنقول
يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول ربه به وهو الصوم، وعليه فلنصم كما صام،
وإذا سئلنا قلنا إنه يوم ولد فيه نبينا فنحن نصومه شكرا لله تعالى، غير أن أرباب
الموالد لا يصومونه، لأن الصيام فيه مقاومة للنفس بحرمانها من لذة الطعام والشراب،
وهم يريدون ذلك، فتعارض الغرضان فآثروا ما يحبون على ما يحب الله وهي زلة عند ذوي
البصائر والنهى، والثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصم يوم ولادته وهو
اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أنه كذلك، وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر
مجيئه في كل شهر أربع مرات أو أكثر، وبناء على هذه فتخصيص يوم الثاني عشر من ربيع
الأول بعمل ما دون يوم الاثنين من كل أسبوع يعتبر استدراكا على الشارع وتصحيحا
لعمله وما أقبح هذا إن كان والعياذ بالله تعالى.!! والثالث: هل النبي صلى الله
عليه وسلم لما صام يوم الاثنين شكرا على نعمة الإيجاد والإمداد وهو تكريمه ببعثته
إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا أضاف إلى الصيام احتفالا كاحتفال أرباب الموالد من
تجمعات ومدائح وأنغام، وطعام وشراب؟
والجواب لا، وإنما اكتفى بالصيام فقط إذًا
ألا يكفي الأمة ما كفى نبيها، ويسعها ما وسعه؟ ؟ وهل يقدر عاقل أن يقول: لا. وإذًا
فلم الافتيات على الشارع والتقدم بالزيادة عليه، والله يقول: {وَمَا آتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7 ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الحجرات:
1 ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم
ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» ويقول: «إن الله حد حدودا فلا
تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير
نسيان، ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها» )إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين3/413-415
فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا هداة
مهتدين, متبعين غير مبتدعين, والحمد لله رب العالمين.

جزاك الله الف خير يابو عبد الله. على التفصيل في هذا الموضوع. واعطا ء شرح بصوره كامله.
ردحذف