جاري تحميل ... صقر الفوايد والشرايد

إعلان الرئيسية

إعلان في أعلي التدوينة

قصص مكتوبة للاطفال: قصة هود عليه الصلاة والسلام... بقلم:ابي عبدالله فهمي البوري


سلسلة تربية الأبناء بأخلاق الأنبياء
قصص الأنبياء للأطفال
دروس وعبر
قصة هود عليه الصلاة والسلام
ولما أهلك الله قوم نوح وبقي على الأرض من حمل معه في الفلك من المؤمنين {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120)}الشعراء119-120 , فكان قوم هود وهم ( من قَبيلَة يُقَال لَهُم عَاد بن عوض بن سَام بن نوح.َكَانُوا عَرَبَا يَسْكُنُونَ الْأَحْقَافَ - وَهِيَ جِبَالُ الرَّمْلِ - وَكَانَت بِالْيمن بَين عمان وَحضر موت، بِأَرْضٍ مُطِلَّةٍ عَلَى الْبَحْرِ يُقَالُ لَهَا الشِّحْرُ، وَاسْمُ وَادِيهِمْ مُغِيثٌ. وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَسْكُنُونَ الْخِيَامَ ذَوَاتِ الْأَعْمِدَةِ الضِّخَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَات الْعِمَاد " أَي عَاد إرم وهم عَاد الأولى.)قصص الانبياء76 خلفاء الأرض من بعد نوح فذكرهم  نبيهم فقال: { وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)}الاعراف69 , فجعلهم أشد أهل زمانهم خلقة وبطشة وشدة, فلم يعرفوا لنعمة الله قدرا ,ولم يودوا لها شكرا, بل كانوا عربا جفاة كافرين , عتاة
متمردين ولعبادة الأصنام مستمسكين, فأرسل الله إليهم (أخاهم هودا) ,فدعاهم بدعوة التوحيد كحال من أرسل ممن سبقوه من الرسل (قال يا قوم اعبدوا ما لكم من اله غيره)الاعراف65 , فلم يبالوا له بالا , ولا لكلامه محلا ومجالا ,بل اتهموه وتنقصوه {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)}الاعراف66  أَيْ فِي حُمْقِ وَخِفَّةِ عَقْل ,إذ تدعونا أن نترك آلهتنا التي نستنصر بها ونستسقي بها , ونلوذ ونعوذ بها.
وهنا ينبغي أن تعلموا يا أبنائي أن مفارقة القديم عزيزة, ومحبة المألوف غريزة, يعسر مفارقتها ومجانبتها, والموفق من وفقه الله والمعصوم من عصمه الله.
فالواجب الحرص على التنشئة على السنة، لأن الشاب إذا نشأ على قراءة القرآن ومحبة السنة ومدارستها، وما ينشأ عن ذلك من مجالسة أصحابها والتعلم منهم- أحرى أن يكون معهم وأن يكون صاحب سنة، مبغضا للبدعة وأصحابها. قال عمرو ابن قيس الملائي : " إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه فإن الشاب على أول نشوئه "
 وقال أيوب: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة.
وقال ابن شوذب: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يوافى صاحب سنة يحمله عليها.
وقال ابن أسباط: كان أبي قدرياً، وأخوالي روافض، فأنقذني الله بسفيان.
ومع هذا فنحن لا نصدقك في دعواك أن الله أرسلك (وإنا لنظنك من الكاذبين) فأجابهم على قولهم, في غاية من اللين والنصح المبين {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)}الاعراف67-68 , وهل سبب هذا التكذيب والإعراض أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ مُنَزَّلٌ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، تَعْرِفُونَ نَسَبَهُ. أَيْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ جِنْسِكُمْ. وَلَوْ كَانَ مَلَكًا فَرُبَّمَا كَانَ فِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ تَنَافُرُ الطبع, وإنما القصد لينذركم عذابا من بين أيديكم ومن خلفكم, فتحدث لكم تقاة من عذاب الله فتسلموا و (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّبْلِيغِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ( أَجْرًا) أَيْ (مَالًا) فَيَثْقُلُ عَلَيْكُمْ. (إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) أَيْ ثَوَابِي فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ.
فاحرصوا يا أبنائي أن لا تطلبوا على النصيحة من الناس أجراً ، أو رياسة، ولا جزاءاً ولا شكوراً، وإنّما يطلب الأجر والثواب من الله عز وجل. واعلموا ان تعففكم عما في أيدي الناس علامة صدق, ولذا قال مؤمن يس { اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)}يس21 وعن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- أنّه قال: « ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله.ومن يصبر يصبّره الله. وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصّبر» )البخاري1469ومسلم1053
                            لا تَسْأَلَنْ إِلى صَدِيقٍ حَاجَــــــــــــــــــــــةٌ ... فَيَحُوْلُ عَنْكَ كما الزَّمَانُ يَحُولُ
                           وَاسْتَغْنِ بالشيء القَلــــــــيـــــــــــــل فَإِنَّهُ ... مَا صَانَ وَجْهُكَ لا يُقال قليـــــلُ
                           مَنْ عَفَّ خَفَّ عَلَى الصَّدِيْقِ لِقَاؤُهُ ... وَأَخُو الحَوائـــجِ وَجْهُهُ مَمْلُـــــولُ
وقد نصح لقومه فقال: (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) تكن لكم سعادة الدنيا بحلول البركات ونزول الخيرات من ذلكم (يُرْسِلِ السَّماءَ) جُزِمَ لِأَنَّهُ جَوَابٌ وَفِيهِ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ." (عَلَيْكُمْ مِدْراراً) " فِيهِ مَعْنَى التَّكْثِيرِ، أَيْ يُرْسِلِ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ مُتَتَابِعًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا، وَكَانَ قَوْمُ هُودٍ أَهْلَ بَسَاتِينَ وَزُرُوعٍ وَعِمَارَةٍ، وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمُ الرِّمَالَ الَّتِي بَيْنَ الشَّامِ وَالْيَمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ . (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ) أي: شِدَّةٌ عَلَى شِدَّتِكُمْ, و خِصْبًا إِلَى خِصْبِكُمْ ,و عِزًّا عَلَى عِزِّكُمْ , ووَلَدًا إِلَى وَلَدِكُمْ, وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَزِدْكُمْ قُوَّةً فِي النِّعَمِ.
فقال له قومه: { يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53)}هود53 كذب منهم وجحود، كما قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: { لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ}يونس20 ز
فنترك آلهتنا عن قولك وما جئتنا ببرهان على ما تقول, { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}أي: أخذك خبل من عند بعض آلهتنا لطعنك عليها، وسبك لها: أي: جنون. فحينها قال هود عليه الصلاة والسلام: ( إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ) أَيْ عَلَى نَفْسِي. (وَاشْهَدُوا) أَيْ وَأُشْهِدُكُمْ، لَا أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ شَهَادَةٍ، ولكنه نهاية للتقرير، أي لتعرفوا (أَنِّي بَرِيءٌ )  مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا. (فَكِيدُونِي جَمِيعاً) أَنْتُمْ وَأَوْثَانَكُمْ . (ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ) أَيْ لَا تُؤَخِّرُونِ. وَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ كَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الثِّقَةِ بِنَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ وَحْدَهُ يَقُولُ لِقَوْمِهِ:" فَكِيدُونِي جَمِيعاً". وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُرَيْشٍ. وَقَالَ نُوحٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ" يونس71 . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) أَيْ رَضِيتُ بِحُكْمِهِ، وَوَثِقْتُ بِنَصْرِهِ. (مَا مِنْ دَابَّةٍ) أَيْ نَفْسٍ تَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ، (إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) أَيْ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَيَمْنَعُهَا مِمَّا يَشَاءُ، أَيْ فَلَا تَصِلُونَ إِلَى ضُرِّي.

ومن هنا تعلموا يا أبنائي ما ينبغي أن يتحلى به الداعي إلى الله من صفة الشجاعة لأنها من عظيم مكارم الأخلاق, لان الشجاعة تحمل على عزة النفس، وإباءة الضيم، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس، وقوّتها على إخراج المحبوب ومفارقته. قال الطّرطوشيّ: واعلم أنّ كلّ كريهة ترفع، أو مكرمة تكتسب لا تتحقّق إلّا بالشّجاعة,
كل شجاعة في المرء تغني****ولا مثل الشجاعة في الحكيم
والداعي إلى الله قدوة للخلق, فإذا كان على باب عريض من الشجاعة, دل ذلك على تقريره مبدأ التوكل على الله, فعظمت منزلته في نفوس الخلق.
فكان لقوله وقعا****وكان لفعله تأثير
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" قَدَّرَ الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة".
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ "
فما زال قومه مكذبين له, مستبعدين موعود الله لهم ورجوعهم الى ربهم {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)}المؤمنون33-35 ,وهذه شبهة قديمة, يدلي بها من أعرض عن أمر الله , وجعلوها حجة على نبيهم ليكذبوه , ويكذبوا بما جاء به وقالوا: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36)}المؤمنون36 {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)}المؤمنون37 , وما برح نبيهم يعظهم ويذكرهم فقال لهم: {(أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) والرِّيعُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ , فيتخذون ابراج الحمام لهوا وعبثا, كأنهم مخلدون , وقيل بقصد التمكن في الارض , وكأنها هي الغاية الكبرى التي لا مرد بعدها, (وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ) , أَيْ مَنَازِل وَقِيلَ: حُصُونًا مُشَيَّدَةً، وقيل: الْحَوْضِ يَجْتَمِعُ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ, (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) أَيْ كَيْ تَخْلُدُوا. وَقِيلَ: لَعَلَّ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ أَيْ فَهَلْ" تَخْلُدُونَ", وحذرهم الظلم الذي هم فيه فقال لهم: (وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) أي بعنف وشدة وظلم, (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) , ففي هذا نجاتكم وثبات ملككم , وذكرهم بنعم الله عليهم فقال لهم: (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ) أَيْ مِنَ الْخَيْرَاتِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ:" أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ" أَيْ سَخَّرَ ذَلِكَ لَكُمْ وَتَفَضَّلَ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ وَيُشْكَرَ وَلَا يُكْفَرَ. (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إِنْ كَفَرْتُمْ بِهِ وَأَصْرَرْتُمْ عَلَى ذَلِكَ. (قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ) كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ لَا نَسْمَعُ مِنْكَ وَلَا نَلْوِي عَلَى مَا تَقُولُهُ. (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) أَيْ دِينُهُمْ، فنحن لا نزال عليه ولا نفارقه , وقيل" أي اختلاقهم وَكَذِبُهُمْ، جئتنا به. بل تحدوا نبيهم وطلبوا ان يستعجلهم بعذابهم الذي خوفهم به وحذرهم منه بقولهم (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) , حينها قال لهم هود عليه الصلاة والسلام: (قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ) أَيْ وَجَبَ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ , (أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ) هذه الْأَصْنَامَ الَّتِي عَبَدُتموهَا، وَكَانَ لَهَا أَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ. (مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) أَيْ مِنْ حُجَّةٍ لَكُمْ فِي عبادتها ,( فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) عذاب الله الواقع بكم , وبأسه الذي لا يرد, ونكاله الذي لا يصد.
فاسْتَفْتَحَ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ واستنصَرَ ربَّه عَلَيْهِمْ (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُون) , فَأَجَابَ دُعَاءَهُ، (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ) أَيْ: بِمُخَالَفَتِكَ وَعِنَادِكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ.
وَكَانَ الْمَطَرُ قَدْ أَبْطَأَ عَنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ" مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ" اسْتَبْشَرُوا (قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا) , قَالَ هُودٌ لَهُمْ: بَلْ هُوَ مَا استعجلتم به، من قولكم:" فَأْتِنا بِما تَعِدُنا" ثم بين ما هو فقال:" رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ" وَالرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِهَا نَشَأَتْ مِنْ ذَلِكَ السَّحَابُ الَّذِي رَأَوْهُ، (تُدَمِّرُ) أَيْ: تُخَرِّبُ (كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ بِلَادِهِمْ، مِمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْخَرَابُ {بِأَمْرِ رَبِّهَا} أَيْ: بِإِذْنِ اللَّهِ لَهَا فِي ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) الذَّارِيَاتِ: 42 أَيْ: كَالشَّيْءِ الْبَالِي. وَلِهَذَا قَالَ: (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ) أَيْ: قَدْ بَادُوا كُلُّهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ تَبْقَ لَهُمْ بَاقِيَةٌ، (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) أَيْ: هَذَا حُكْمُنَا فِيمَنْ كَذَّبَ رُسُلَنَا، وَخَالَفَ أَمْرَنَا.
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ فِي قِصَّتِهِمْ وَهُوَ ما رواه الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنِي أَبُو الْمُنْذِرِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّحْوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُود، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ الْحَارِثِ الْبَكْرِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ أَشْكُو الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرَرْتُ بالرَبْذَة، فَإِذَا عَجُوزٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٌ بِهَا، فَقَالَتْ لِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةً، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغِي إِلَيْهِ؟ قَالَ: فَحَمَلْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا الْمَدِينَةَ، فَإِذَا الْمَسْجِدُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، وَإِذَا رَايَةٌ سَوْدَاءُ تَخْفُقُ، وَإِذَا بِلَالٌ مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالُوا: يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَجْهًا. قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ -أَوْ قَالَ: رَحْلَهُ-فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ: "هَلْ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ تَمِيمٍ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَكَانَتْ لَنَا الدَّبَرَةُ عَلَيْهِمْ، وَمَرَرْتُ بِعَجُوزٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٍ، بِهَا فَسَأَلَتْنِي أَنْ أَحْمِلَهَا إِلَيْكَ، وَهَا هِيَ بِالْبَابِ: فَأَذِنَ لَهَا فَدَخَلَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ تَمِيمٍ حَاجِزًا فَاجْعَلِ الدَّهْنَاءَ، فَحَمِيَتِ الْعَجُوزُ وَاسْتَوْفَزَتْ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِلَى أَيْنَ يُضْطَرُّ مُضْطَرُّكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ مَثَلِي مَا قَالَ الْأَوَّلُ: "مِعْزَى حَمَلَت حَتْفَها"، حَمَلْتُ هَذِهِ وَلَا أَشْعُرُ أَنَّهَا كَانَتْ لِي خَصْمًا، أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ. قَالَ: "هِيهْ، وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟ " -وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَسْتَطْعِمُهُ -قُلْتُ: إِنْ عَادًا قُحِطُوا فَبَعَثُوا وَافِدًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: قَيل، فَمَرَّ بِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا يَسْقِيهِ الْخَمْرَ وَتُغَنِّيهِ جَارِيَتَانِ يُقَالُ لَهُمَا "الْجَرَادَتَانِ"-فَلَمَّا مَضَى الشَّهْرُ خَرَجَ إِلَى جِبَالِ مَهْرة فقال: اللهم، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجِئْ إِلَى مَرِيضٍ فَأُدَاوِيهِ، وَلَا إِلَى أَسِيرٍ فَأُفَادِيهِ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَادًا مَا كُنْتَ تَسْقِيهِ. فَمَرَّتْ بِهِ سَحَّابَاتٌ سُودُ، فَنُودِيَ مِنْهَا: "اخْتَرْ"، فَأَوْمَأَ إِلَى سَحَابَةٍ مِنْهَا سَوْدَاءَ، فَنُودِيَ مِنْهَا: "خُذْهَا رَمَادًا رِمْدِدًا ، لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا". قَالَ: فَمَا بَلَغَنِي أَنَّهُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا كَقَدْرِ مَا يَجْرِي فِي خَاتَمِي هَذَا، حَتَّى هَلَكُوا-قَالَ أَبُو وَائِلٍ: وَصَدَقَ -وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ إِذَا بَعَثُوا وَافِدًا لَهُمْ قَالُوا: "لَا تَكُنْ كَوَافِدِ عَادٍ".
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وحسنه الالباني تحت حديث رقم 1228 واحمد برقم 2100.
وَاعْتَزَلَ هُودٌ عَلَيْهِ الصلاة السَّلَامُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قومهم , فنجاهم الله من ذلك العذاب.

واما عاد فإن الله قد سلط عليهم تلك الريح العاتية (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) متتابعات، (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خاوية) الَّتِى لارءوس لَهَا، وَذَلِكَ لَان الرّيح كَانَت تجئ إِلَى أَحَدِهِمْ فَتَحْمِلُهُ فَتَرْفَعُهُ فِي الْهَوَاءِ ; ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَتَشْدَخُهُ فَيَبْقَى جُثَّةً بِلَا رَأْسٍ ( فَهَل ترى لَهُم من بَاقِيَة), اي بعد هذه الريح العاتية المستمرة مِنْ فِرْقَةٍ بَاقِيَةٍ أَوْ نَفْسٍ بَاقِيَةٍ. وَقِيلَ: مِنْ بَقِيَّةٍ. وَقِيلَ: مِنْ بَقَاء (فَأَصْبَحُوا لَا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ)
فَدَعَا هُــــــــــودٌ عَلَيْهِمْ ... دَعْــــــــــــــوَةً أَضْحَوْا هُمُودًا
عَصَفَتْ رِيحٌ عَلَيْهِمْ ... تَرَكَــــــتْ عَادًا خُمُـــــــــــــودًا
سُخِّـــــرَتْ سَبْعَ لَيَالٍ ... لَمْ تَدَعْ فِي الْأَرْضِ عُودًا
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا قَطُّ حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ  ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ وَقَالَتْ: كَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ يَا رَسُولَ الله: إِن النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ! قَدْ عُذِّبَ قَوْمُ نُوحٍ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عَارض مُمْطِرنَا " فَهَذَا الْحَدِيثُ كَالصَّرِيحِ فِي تَغَايُرِ الْقِصَّتَيْنِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَوَّلًا.
(فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ خَبَرًا عَنْ قَوْمِ عَادٍ الثَّانِيَةِ وَتَكُونُ بَقِيَّةُ السِّيَاقَاتِ فِي الْقُرْآنِ خَبَرًا عَنْ عَادٍ الْأُولَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ  .)قصص الانبياء/ابن كثير
فأرجوا يا أبنائي أن تكونوا قد استفدتم من القصم وأخذتم منها العبرة.
والحمد لله.















هناك تعليق واحد:

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

مدونة صقر الفوايد والشرايد. هى مدونة عربية يمنية مهتمة بمجال العلوم الاسلامية, تقدم شروحات وخطب ومقالات حصرية فى هذا المجال , كما توجد ايضا اقسام متنوعة فى عدد من المجالات الاخرى , وايضا المدونة تجد فى العديد من الشروحات فى مجال تربية الناشئة وايضا نقدم بعض الطرق للسير في هذه الدعوة الى الله على نور وبصيرة من الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح , تم انشاء المدونة بداية العام 1441ه