خطبة مكتوبة: نشر الورقات في ذكر شروط النفقة والصدقات... ابي عبدالله فهمي البوري
خطبة جمعة
نشر الورقات في ذكر شروط النفقة والصدقات
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا ,من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له,
واشهد أن لا اله إلا الله, وحده لا شريك له, واشهد آن محمدا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا
وانتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق
منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن
الله كان عليكم رقيبا)
(يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا .
يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
فان خير الحديث كتاب الله, و خير الهدي هدي محمد صلى
الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة و كل ضلالة
في النار)) .
وبعد :
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ
فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}البقرة(254)
تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهمية
المطلوب؛ لأن النداء يقتضي التنبيه؛ ولا يكون التنبيه إلا في الأمور الهامة, ويدل على
الحث، والإغراء في الإنفاق والبذل وذلك زمن الإمكان, {من قبل أن يأتي يوم} المراد
به يوم القيامة؛ {لا بيع فيه} وهو تبادل الأشياء {ولا خلة} وهي أعلى المحبة {ولا
شفاعة} الوساطة لدفع الضرر، أو جلب المنفعة ؛
والنفقة لغة: مصدر أنفق، يقال: أنفق ينفق إنفاقا فهو منفق، وتدور هذه المادّة حول
معنيين أحدهما يدلّ على انقطاع شيء وذهابه ومنه قوله تعالى: {إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ
خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ}الإسراء (100)، والآخر على إخفاء شيء وإغماضه, والنّفقة:
الدّراهم ونحوها من الأموال وتجمع على نفقات وعلى نفاق (بالكسر) .
واصطلاحا:
الإنفاق هو إخراج المال الطّيّب في الطّاعات والمباحات .
ومن معاني النفقة في القرآن الكريم:
وردت النّفقة في القرآن على وجوه منها:
(1) بمعنى فرض الزّكاة: {وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ
يُنْفِقُونَ}البقرة(3)أي يزكّون ويتصدّقون.
(2) بمعنى التّطوّع بالصّدقات: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاء}ِ ال عمران(134) أي يتطوّعون بالصّدقة وشبهها: {وَأَنْفَقُوا
مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً}الرعد(22) .
(3) بمعنى الإنفاق في الجهاد: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ} البقرة(195) . وقوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ (البقرة/ 262) ، وقوله: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ
أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ
الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}الحديد(10) .
(4) بمعنى الإنفاق على العيال والأهل: {وَإِنْ كُنَّ
أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ}الطلاق(6) . وكذلك: {لِيُنْفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}الطلاق(7) .
(5) بمعنى الفقر والإملاق. كقوله تعالى: {إِذاً
لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ}الإسراء(100)"نضرة النعيم3/599.
قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}البقرة(261)
يطلق المثل على الشبه؛ ويطلق على الصفة؛ فإن ذكر مماثل،
فالمراد به الشبه؛ وإلا فالمراد به الصفة, وفي هذه الآية: {مثل الذين ينفقون
أموالهم في سبيل الله كمثل حبة} فهذا المراد به الشبه؛ يعني شبه هؤلاء كشبه هذا
الشيء؛ والذي يظهر من الآية أنه لا يوجد فيها مطابقة بين الممثل، والممثل به؛ لأن
«الممثل» هو العامل؛ و «الممثل به» هو العمل؛ فالحبة ليست بإزاء المنفِق؛ لكنها
بإزاء المنفَق؛ والذي يكون بإزاء المنفِق زارعَ الحبة, (وفي الكلام حذف مضاف
تقديره مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة. وطريق آخر: مثل
الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل، يعني
أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر
فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة، ثم قال تعالى: (والله يضاعف لمن يشاء) يعني
على سبعمائة، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع، إن كان حاذقا في عمله، ويكون البذر
جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر، فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا
ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر، خلافا لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبعمائة،
على ما نبينه إن شاء الله)تفسير القرطبي3/303
الحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك
البر فكثيرا ما يراد بالحب، ومنه قول المتلمس:
آليت حب العراق الدهر
أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس
(قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة،
فأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر)القرطبي3/304.والناظر الى
زرع القمح يرى أن الحبة تفرع كثيرا قد تبلغ
السبع أو تزيد أو تنقص بحسب طيب الأرض والنبت, وكل واحدة تعطي سنبلة, وكل
سنبلة تؤتي مائة حبة وقد تزيد أو تنقص, {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}البقرة(261) .
وفي الآية (فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض, فعن
أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم
يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة)البخاري2320مسلم1553 ويستنبط منها اتخاذ الضيعة والقيام عليها وفيه فساد قول من أنكر ذلك من
المتزهدة وحمل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين فمنه حديث عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: (لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا)الترمذي2328وصححه
الألباني, قال القرطبي
يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين وحمل
حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها وفي رواية
لمسلم (إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة) ومقتضاه أن أجر ذلك يستمر ما دام الغرس
أو الزرع مأكولا منه ولو مات زارعه أو غارسه ولو انتقل ملكه إلى غيره. والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في
معناها من غرس الأشجار. ولقي عبد الله بن عبد الملك ابن شهاب الزهري فقال: دلني
على مال أعالجه، فأنشأ ابن شهاب يقول:
أقـــــــــــــــــــــــــــــول
لعبد الله يوم لقيته **** وقد شد أحلاس المطي مشرقا
تتبع خبايا الأرض وادع
مليكها **** لعلك يوما أن تجاب فتـــــــــــــرزقا
فيــــــــــــؤتيك مالا
واسعا ذا مثابـة **** إذا ما مياه الأرض فارت تدفقا
قال تعالى: { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا
وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُون }البقرة(262)
وفيها ذكر لبعض الشروط لقبول النفقة من صاحبها
ومنها:
- · الإخلاص في قوله تعالى: { فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي على المرء أن يطلب وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفق عليه، ولا يرجو منه شيئا ولا ينظر من أحوال في حال سوى أن يراعي استحقاقه، قال الله تعالى:{ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً}. ومتى أنفق ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله, وإنما يقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله، كالذي حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابيا أتاه فقال:
يا عمر الخير
جزيت الجنه ... اكس بنياتي وأمهنه
وكــــــــــــــــن
لنا من الزمان جنه ... أقســـم بالله لتفعلنه
قال عمر: إن لم أفعل يكون ماذا؟ قال:
إذا أبا حفص
لأذهبنه
قال: إذا ذهبت يكون ماذا؟! قال:
تكون عن حالي
لتسألنه ... يوم تكون الأعطيات هنه
وموقف المسئول
بينهنه ... إما إلــــــــــــى نار وإما جنــــــه
فبكى عمر حتى اخضلت لحيته ثم قال: يا غلام،
أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره! والله لا أملك غيره.
- · أن تكون على طريق الله ومراده, قال الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}الأنعام(153), (فإن أنفق في وجه لا يرضى به الله فليس في سبيل الله وإن أخلص لله كرجل ينفق على البدع يريد بذلك وجه الله وهذا كثير: كبناء الربط للصوفية المنحرفة، وبناء البيوت للأعياد الميلادية، وبناء القصور للمآتم، وطبع الكتب المشتملة على بدع؛ هذا قد يريد الإنسان بذلك وجه الله لكنه خلاف شريعة الله؛ فلا يكون في سبيل الله)تفسير العثيمين.
- · أن لا يصاحبها منا ولا أذى, قال تعالى: { ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى}, وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى}البقرة264, المن: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، مثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه. وقال بعضهم: المن: التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. وهو من كبائر الذنوب, فعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى )النسائي2562قال الألباني حسنا صحيحا, (قال جمهور العلماء في هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن أو يؤذي بها فإنها لا تقبل. وقيل: بل قد جعل الله للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها، وهذا حسن. والعرب تقول لما يمن به: يد سوداء. ولما يعطى عن غير مسألة: يد بيضاء. ولما يعطى عن مسألة: يد خضراء. وقال بعض البلغاء: من من بمعروفه سقط شكره، ومن أعجب بعمله حبط أجره. وقال بعض الشعراء:
وصاحب سلفت
منه إلي يد ... أبطأ عليه مكافاتي فعادانــــــــي
لما تيقن أن
الدهر حاربنــــــي ... أبدى الندامة فيما كان أولاني
)تفسير
القرطبي3/311
- · الانفاق من طيب الكسب وترك الخبيث منه كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد}البقرة(267) وجمهور المتأولين قالوا: معنى (من طيبات) من جيد ومختار ما كسبتم. وقال ابن زيد: من حلال ما كسبتم, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ)البخاري1410
قال تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ
خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}البقرة(263), أي أولى وأمثل,
والقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في
ظاهرها صدقة وفى باطنها لا شي، لأن ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها. روى
أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الكَلِمَةُ
الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)البخاري6222 , قوله تعالى: (مغفرة) المغفرة هنا: الستر
للخلة وسوء حالة المحتاج، ومن هذا قول الأعرابي- وقد سأل قوما بكلام فصيح- فقال له
قائل: ممن الرجل؟ فقال له: اللهم غفرا ! سوء الاكتساب يمنع من الانتساب. وقيل:
المعنى تجاوز عن السائل إذا ألح وأغلظ وجفى خير من التصدق عليه مع المن والأذى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق